الشيخ الطوسي
230
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
الَّتي يحصل عندها الغفران ، وذلك متّفق عليه أنّه على الفور . فأمّا الفعل الواجب الَّذي لم يتقدّمه غيره من المعاصي حتّى يغفر فكيف يحمل عليه ؟ فإن حمل على أنّ المراد بذلك استحقاق الثّواب ، تصير الآية مجملة [ 1 ] لأنّه يستحقّ الثّواب بالواجب والنّدب وليس النّدب واجبا أصلا . ومنهم من استدلّ على ذلك بأن قال : إنّ الأمر يقتضي إيقاع الفعل في وقت من جهة الحكمة ، وإن لم يكن مذكورا في اللَّفظ ، فأشبه ما يقتضيه العقود والإيقاعات من الطَّلاق والعتاق ، فكما أنّ ذلك كلَّه على الفور وجب مثله في الأمر . وهذا لا يصحّ الاستدلال به من وجهين . أحدهما : أنّ هذا قياس ، ونحن لا نقول بالقياس أصلا ، فكيف يمكننا أن نعتمد على ذلك ؟ ومن قال بالقياس لا يمكنه أيضا أن يعتمد هذه الطَّريقة ، لأنّ القياس يوجب غلبة الظَّن ، وهذه المسألة طريقها العلم [ 2 ] ، فلا يمكن الاعتماد فيها على القياس . [ الثّاني ] ( 1 ) : ولو جاز استعمال القياس في ذلك ، لكان هذا الاستدلال قرينة اقترنت إلى ظاهر الأمر ، والقوم لا يمتنعون من ذلك ، وإنّما الخلاف في الأوامر المطلقة الخالية من القرائن ، فعلم أنّ المعتمد ما قدّمناه . وإذا ثبت أنّ الأمر على الفور ، فمتى لم يفعله في الثّاني احتاج إلى دليل آخر في وجوبه عليه في الثّالث على ما بيّناه فيما تقدّم ( 2 ) ، وفي ذلك بطلان مذهب [ 3 ] من
--> ( 1 ) زيادة تقتضيها الجملة لما قال في القسم الأوّل من الوجهين ( أحدهما ) فالأولى أن يقول هنا : الثّاني . . ( 2 ) انظر استدلال الشّيخ على هذه المسألة في صفحة 210 . . [ 1 ] جواب عن كلا الآيتين ، وحاصله أنّه لا يمكن حمل المغفرة والخيرات على العموم لأنّه يستلزم وجوب المندوبات وهو باطل ، فالمراد بعض ممّا يوجب المغفرة وبعض الخيرات ولم يتعيّن في الآية ، فتصير مجملة . [ 2 ] لأنّها من مسائل الأصول ، لا لأنّها لغوية فلا يجري القياس فيها . [ 3 ] وهذا القول مذهب جمهور الأحناف كالسرخسي ، والبزدوي ، وابن الهمّام ، وأبي زيد الدبوسي ،